Brexit

الانجليز و “الانتهازية” عبر التاريخ

مثّل قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي صدمة كبيرة للجميع حول العالم و خاصة للجيران الأوروبيين والذي البعض منهم كان يتوقع هذا الطلاق بالتراضي مع الجار المتقلب المزاجي و المتنقل في القارة العجوز: ساق في أوروبا و الساق الأخرى في عالم ما وراء البحار و المحيطات عندما كانت سفن فرانسيس درايك و ولتر رالي و كابتن كوك و ديفيد لفنغستون تشق عباب الأطلسي للعالم الجديد و تسبر أغوار افريقيا و أمريكا الشمالية و أستراليا.

كان وقع الانسحاب كبيرا على قوتين اقتصاديتين في الاتحاد: ألمانيا و فرنسا حيث بدأ التخوف من اتساع رقعة البركسيت لباقي الدول الاوروبية و المخاوف الكبرى من النزعات الانفصالية لدى سكوتلندا و كاتالونيا في شمال اسبانيا و سعي الايرلنديين الشماليين للاتحاد مع أخوتهم في الجنوب.
و ليس غريبا أن يجد التوجه الانفصالي من أوروبا ترحيبا كبيرا من الكثير من البريطانيين خاصة من الانجليز في الشمال ممن يعتبروا أنفسهم ضحايا بيروقراطية بروكسال خصوصا من مناطق ذات أهمية تارخية كالبلاد السوداء و يوركشاير كلاهما مثّلا العمود الفقري للثورة الصناعية التي أدخلت بريطانيا من أوسع أبوابه إلى التاريخ الحديث كأكبر امبراطورية بعد الرومانية و الاغريقية و البيزنطية و الاسلامية، تلك الامبراطورية التي لم تغب عنها الشمس إلا عندما بدأ نجمها يأفل باستقلال أكبر مستعمراتها في العالم الجديد الولايات المتحدة الأمريكية في 1776 و شيئا فشيئا باقي المستعمرات في افريقيا و آسيا مع حفاظ البعض منها على نوع من التبعية السياسية و الاقتصادية مع الوطن الأم كأستراليا و نيوزيلاندا و كندا.
باختيار هذه القوى الاقتصادية و السياسية الوفاء للتاج البريطاني استطاعت انجلترا، و التي بثقلها السكاني استطاعت أن تخضع المناطق ذات النزعة الانفصالية في الجزر البريطانية ،باستئناء الجمهورية الايرلندية، كسكوتلندا و ويلز و ايرلندا الشمالية (و التي يصطلح على تسميتها بألستر لدى الموالين للملكية) لسيطرتها ، و أن تواصل تأثيرها الثقافي و الاقتصادي و السياسي على ما تبقى من امبراطوريتها العظمى مع منحها صلاحيات أقوى لها كدول مستقلة لكن في حالة تبعية للعرش البريطاني و لو شكليا في ما يسمى بدول الكومنولث أو اتحاد 53 دولة من ولايات الامبراطورية البريطانية سابقا.
فحتى خروج انجلترا من الاتحاد الأوروبي لن يؤثر في باقي المملكة حسب بعض المحللين لأنها لا تزال تتمتع بولاء دول الكومنولث الكبرى لها بالأخص استراليا و كندا و نيوزيلندا فلم الخوف إذن؟ ربما ويلز ستكون الخاسر الأكبر بسبب البركسيت لأنها انتفعت الأكثر من التمويل الأوروبي السخي منذ 1973 سنة التحاق المملكة المتحدة بالسوق الاوروبية المشتركة و لاحقا بالاتحاد الأوروبي.
لقد كان رفض انجلترا الالتحاق بالعملة الموحدة اليورو و فضاء الشنغن اختيارا استراتيجيا ذكيا حتى لا تضطر أن تلتزم بالقيود الاوروبية المفروضة ليس فقط على البلدان الأقل رخاء في الاتحاد كاليونان و اسبانيا لكن أيضا على الكبرى كألمانيا و فرنسا و لكي تواصل تمتعها باستقلالية تجعلها على ارتباط حميمي بأكبر فوة اقتصادية و سياسية و عسكرية في العالم: الولايات المتحدة الامريكية. و قد لا يخفى على الجميع الدور .الاستراتيجي لبريطانيا في تنامي دورالحلف الأطلسي في أوروبا الغربية و بعد سقوط الاتحاد السوفياتي في اوروبا و حتى تركيا
لطالما اتهمت فرنسا غريمتها و منافستها الشرسة تاريخيا في العالم بالانتهازية و استغلال الاتحاد الاوروبي كبقرة حلوب تدر عليها منافع تقوي اقتصادها دون بذل مجهودات كبيرة في تقوية الاتحاد الاوروبي. فهل يمكن تحميل انجلترا سبب الوهن في الاتحاد الاوروبي لوحدها؟
لكن السؤال الأهم يبقى ما تأثير هذه الانتهازية  تاريخيا على علاقات انجلترا بالقارة العجوز؟ ربما يبقى واحد من أهم الأحداث في تاريخ انجلترا هو إعلان التاج الانكليزي بأنه أعلى سلطة على الأرض لكنسية انكلترا و نبذ سلطة البابا في روما على يد الملك هنري الثامن الذي عين نفسه رئسيا لكنيسة انجلترا الجديدة في عام 1534. مثل هذا الانفصال بداية لعهد جديد في تاريخ المسيحية في أوروبا ، و لعل الطرفة التاريخية حول هذا الانفصال المتمثلة في رغبة هنري الثامن الشديدة في الطلاق من زوجته الأولى كاثرين الأراغونية بسبب عجزها عن انجاب وريث ذكر له مثّل ثورة كبيرة في عهده إذ استغل هنري خلافه مع بابا روما الذي رفض طلاقه من كاثرين و حال دون زواجه من آن بولين  لينتهز الفرصة لإعلان استقلال انجلترا من هيمنة الكنسية الكاثوليكية.

لقد كانا ثاتشر و تشرشل شخصيتان براغماتيتان انجليزيتان دافعتا عن خصوصية انجلترا ككيان مميزعن أوروبا القارة  فاخترع فطور الصباح الانكليزي و الشاي الانكليزي للتأكيد على هذه الخصوصية الثقافية المتجذرة في التاريخ.، وبما أن بريطانيا جزيرة فالعقلية الانعزالية رسمت أهم  معالمها ككيان سياسي و اقتصادي و ثقافي متميز و مستقل

Black Country: البلاد السوداء

أوروبا القارة: Continental Europe

tug of war

Source: The Economist

Advertisements
Categories: Brexit, Europe, UK | Tags: , | Leave a comment

Powered by WordPress.com.