الليبيون في تونس: التأرجح بين طيات النسيان والاعتراف

هل الجالية الليبية في تونس عبء أم فرصة اقتصادية؟

كلما حاول مرتضى ص (22 سنة) أن يمتطي سيارة تاكسي إلا وتعرض لعملية تحيل من سائق التاكسي وقد أصبحت هذه الوضعية المزعجة ملازمة لحياته اليومية في تونس العاصمة.

 

مرتضى شاب ليبي انتقل للسكن في العاصمة التونسية منذ سنتين مع عائلته وحاليا يدرس بجامعة خاصة. وقد حاول التأقلم مع الحياة السريعة والصاخبة نوعا ما للعاصمة وبالأخص مع النظام في العاصمة أين تحتل اللغة الفرنسية الحيز الأكبر من سبل التواصل الاجتماعي لسكان العاصمة خاصة في الأحياء الراقية مثل حي النصر والمرسى والبحيرة أين توجد جالية ليبية كبرة جعلت من العاصمة التونسية ملاذا لها للترفيه عن النفس بعيدا عن ضغوطات الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا خاصة بعد اندلاع الحرب الأهلية في صائفة 2014 بين مختلف الفصائل الليبية المتناحرة من تشكيلات مسلحة، نظامية وغير نظامية.

 

ويضيف مرتضى قائلا: “فكرت مليا في أن أبدأ دراسة الفرنسية في العاصمة. هل تعرفين مراكز أو مدارس تؤمن دروسا للمبتدئين مثلي؟ أنا أعرف بعض الكلمات لكن أرى أنني أستطيع التأقلم أكثر مع محيطي الجديد خاصة ع أصدقائي في الجامعة”

 

في غياب أرقام دقيقة لليبيين المتواجدين على التراب التونسي، تضاربت الأنباء حول أعدادهم بين الأرقام الرسمية التي قدمتها وزارة الشؤون الاجتماعية في بداية 2016 (و الذي قدره وزير الشؤون الاجتماعية السابق محمود  بن رمضان بحوالي 350000 ليبي مقيم في تونس) و غير الرسمية والذين يصل عددهم إلى حوالي 800000 ليبي بين مقيم (بصفة رسمية وغير رسمية)  ولاجئ (وهؤلاء عددهم لا يتجاوز 10000 لاجئ حسب بعض منظمات المجتمع المدني), أصبح مسألة الليبيين في تونس قضية مثيرة للجدل يتنازع حولها السياسيون و مختلف الممثلين والأطراف في المجتمع المدني. ومع تزايد تذمر الأغلبية من التونسيين خاصة في العاصمة التونسيين من تواجد الليبيين في تونس بسبب “مساهمتهم المباشرة وغير المباشرة في غلاء المعيشة وارتفاع أسعار العقارات” وجد الليبيون أنفسهم في ازدواجية الغربة والعزلة من جهة والنسيان وغياب الاعتراف من طرف الجهات الرسمية التونسية والليبية.

 

الليبيون في تونس: جدلية التوصيف القانوني.

 

يمثل الليبيون في تونس شريحة اجتماعية ذات خصوصية يصعب توصيفهم ك”لاجئين” بما أن الأغلبية القاطنة بتونس لم تبحث عن اللجوء القانوني في تونس كما هو الشأن مثلا للسوريين الذين فروا من أتون الحرب الأهلية و الذي يقدر عددهم ببضع آلاف و الذين تم تسجياهم كلاجئين سواء لدى منظمات الإغاثة العالمية أو السلطات التونسية  و من جهة أخرى لا يعتبر الليبيون مهاجرين بل إن حالتهم تتأرجح بين من هم في المنفى و اللجوء الاقتصادي بما أن الأغلبية شبه الساحقة منهم يعيلون أنفسهم و يساهمون بصفة مباشرة و غير مباشرة في الحركة الاقتصادية للبلاد. الكثير منهم يعيش وضعية “البرزخ” وكأنهم “تحت المراقبة” يفضلون أن يكونوا بعيدا عن الأنظار وخاصة السلطات التونسية الإعلام وتوجسهم منهم

يمكن تفسير هذا الاختيار غير الإرادي في كثير من الأحوال إلى تخوف البعض منهم من ترحيلهم إلى ليبيا بسب بعلاقتهم المباشرة أو غير المباشرة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي ومنذ نشوب الحرب الأهلية بعد أحداث مطار طرابلس بسبب الانهيار الأمني والاقتصادي في البلد فلم يعد الليبيون يتوجهون إلى تونس بسبب صلتهم بالنظام القديم فحسب بل لأن الظروف السياسية والأمنية الصعبة دفعت بالكثير منهم إلى اللجوء لتونس ولو بصفة مؤقتة.

 

ثنائية التكيف والانعزال:

 

أما سهام ع فشعورها بالغربة في تونس زاد من عزلتها وصعوبة تكيفها مع المجتمع التونسي على الرغم من نجاحها في تكوين صداقات وشبكات تعارف مع التونسيين ولكنها تبقى محدودة في نطاق الجامعة أين تدرس إدارة الأعمال.

 

“على الرغم من أن والدي من أصول تونسية لكن أشعر ببعض العدائية من بعض التونسيين هنا” تضيف كما ترى أن بعض من التونسيين يستهينون بقدرات الليبيين ويظهرون عنصريتهم ضد كل ما هو ليبي من خلال إظهار كل ما هو سيء.

” يتهمون الليبيين بأنهم ساهموا في تأزم أوضاع بلدهم وبأنهم يؤثرون على زيادة الأسعار في تونس”

 

“كل مرة أستقل تاكسي يبدأ السائق في الحديث بطريقة سيئة عن ليبيا والليبيين وكيف أنهم أوصلوا بلادهم لهذه الحالة السيئة، ويؤلمني سماع هذا خاصة وأنه يأتي من بلد ديموقراطي كتونس” تستطرد سهام بنوع من السخط والحزن.

على الرغم من هذه العقبات استطاعت سهام التأقلم مع محيطها الجديد ونجحت في دراستها وحققت تميزا خاصا بنجاحها مؤخرا في امتحان المستوى الأول في اللغة الفرنسية بالمعهد الفرنسي بالعاصمة التونسية. كما لاحظت أنّ وجودها بتونس أثر في محيطها خاصة أصدقاءها بالجامعة إذ غيّروا نظرتهم النمطية عن ليبيا وأصبحوا يحبون الليبيين من خلال احتكاكهم بليبيين متعلمين حسب قولها.

 

مصائب قوم عند قوم فوائد:

 

لقد أصبح الليبيون محل اتهام من عديد التونسيين بسب غلاء الأسعار وبالتالي تأثيرهم غير المباشر على تدهور القدرة الشرائية لهم وعدم قدرتهم على التنافس ليس فقط على الأسعار بل أيضا على الإيجار ناهيك عن شراء العقارات الذي أصبح شيئا صعب المنال للتونسيين في ظل تقلص الطبقة الوسطى في تونس والتي تمثل حاليا 67 بالمائة من التونسيين (تقلص ب 13 بالمائة منذ 2010). كما أن تصوير الليبيين في تونس على أنهم يمثلون عبئا اقتصاديا في البلاد يؤشر إلى صعوبة استيعاب هذه الجالية كمصدر دخل اقتصادي خاصة في مجال الاستثمار العقاري والسياحة الطبية والتي يستحوذ الليبيون على أكبر نسبة من الوافدين الأجانب لتونس لمختلف المصحات للعلاج.

 

ولعل سخرية الأقدار شاءت ان تصبح الأزمة الليبية الحالية مصدر رزق لهذه المصحات خاصة في المدن الكبرى كتونس العاصمة وصفاقس بالتحديد حتى ظلت تجارة مربحة لبعض المصحات في الجنوب التونسي بالخصوص. لكن مع تأزم الأمور في الحدود خاصة على مستوى معبر راس جدير وجد الكثير من الليبيين خاصة ممن تعوزهم الوسيلة من الذهاب إلى وجهات طبية أخرى كتركيا والأردن بسبب فرض الأخيرتين تأشيرات على الليبيين منذ 2015، صارت تونس وجهة سياحية طبية لا مفر منه من مبدأ “مكره أخاك لا بطل”.

 

وتبقى المعاملة المتقلبة من طرف أعوان الأمن والجمارك التونسيين ما يضطر ابعض الليبيين من “مقاطعة الوجهة التونسية” والبحث عن “وجهة سياحية جديدة أكثر سلاسة في التعامل” هذا ما لمسته من خالد أ، شاب ليبي من طرابلس أتى لتونس للمرة الثانية في حياته، الأولى كانت في 2015 للحصول على تأشيرة للذهاب إلى الولايات المتحدة الأمريكية والثانية للذهاب مع أصدقائه في رحلة سياحية إلى الجزائر في يونيو الماضي.

 

” كنت متخوفا بعض الشيء من المعاملة في الطريق من أعوان الأمن التونسيين خاصة وأن أصدقائي في طرابلس حذروني منهم ومن حالات الرشوة والابتزاز لكن الحمد لله لم أتعرض لأي شيء من هذا القبيل” قال مبتسما. لكن هذا لا يخفي قرار بعض الليبيين مؤخرا خاصة مع انطلاق عملية البنيان المرصوص في مدينة مصراتة ضد عناصر تنظيم الدولة وقرار توجيه الكثير من المصابين في العملية إلى الجزائر بسبب “سوء المعاملة في المصحات التونسية” حسب البعض من مدينة مصراتة.

 

علاقات ثنائية متقلبة

 

ويرى السيد رضا السعيدي الوزير السابق المكلف بالأمور الاقتصادية في حكومة حمادي الجبالي أن العلاقات التونسية الليبية تبقى متقلبة بتغير الحكومات بعد الثورتين التونسية والليبية وقد خلق هذ التقلب نوعا من الحساسية حتى في التعاملات الرسمية مما قد يؤثر سلبا حتى التونسيين في ليبيا والذي يقدر عددهم بحوالي 110000 حسب أيوب الشرع منسق عام مجلس شيوخ ليبيا. وظهرت هذه الحساسيات منذ بداية بناء الساتر الترابي بين تونس وليبيا وما تبعه من تصريحات اعتبرها الليبيون “مستفزة” من الرئيس التونسي السيد الباجي قايد السبسي حول “تصدير ليبيا للإرهاب” في مارس 2016 وكادت أن تؤثر على التبادل الاقتصادي بين البلدين إذ أثارت التصريحات حفيظة بعض المسؤولين الليبيين. لأكن تم بسرعة تفادي الأزمة الدبلوماسية عند “تصحيح الخطأ من الناطق الرسمي للرئاسة والذي أكد ان التصريحات أخذت من خارج سياقها إذ أن السيد قائد السبسي قصد المقاتلين الأجانب الذين وجدوا في ليبيا موطئ قدم لهم ولم يكن يفصد الشعب الليبي حسب قول الناطق الرسمي.

 

كما ساهم إغلاق لمجال الجوي منذ 2015 على الطائرات القادمة من مطار معيتيقة (مع فتح المجال لمطاري المنستير وصفاقس فقط) في تأزيم العلاقات بين حكومة طرابلس في الغرب والحكومة التونسية وبدأت بوادر تحسن عند فتح المجال في شهر يونيو واستئناف الرحلات إلى مطار تونس قرطاج الدولي.

 

إعلام تونسي متحامل

 

يجمع الكثير من الليبيين أن الإعلام التونسي بنوعيه العمومي والخاص “متحامل جدا” ضد ليبيا والليبيين خاصة في تصويره للوضع في ليبيا.

وقد أعرب محمد، ح ناشط ليبي في المجتمع المدني من طرابلس عن سخطه تجاه الإعلام التونسية

” ما لا أفهمه هو الاتهامات المتكررة من المسؤولين التونسيين وزد على ذلك الإعلام التونسي بأن ليبيا مصدر الإرهاب وكأننا لسنا ضحايا الإرهاب، وقد نسي السيد السبسي لأن أكثر الإرهابيين في ليبيا هم من التونسيين”

 

وحسب العديد من الليبيين فإنّ الإعلام التونسي يقوم غاليا على عنصر الإثارة في تغطيته للأحداث في ليبيا وقد فشل في إعطاء المعلومة الدقيقة عن الوضع في الميدان وفي أغلب الأحيان يجنح لتحاليل “أشباه خبراء ” في الشأن الليبي حسب رضا السعيدي.

 

هاجس العودة

 

ويبقى المستقبل غامضا للعديد من الليبيين في تونس كغموض المشهد السياسي في ليبيا إد يبقى الهاجس الأمني الحاجز الأكبر لرجوع السواد الأعظم منهم.  وقد خيّر البعض منهم الاستقرار في تونس وحتى العمل ولو مؤقتا في اعمال مختلفة حرة كالبناء المطاعم لإعالة أنفسهم.

 

كما تجد بعض الأسر الليبية صعوبة خاصة مع من لديها أطفال يدرسون في مدارس ليبية وقد لجأ البعض منهم إلى تسجيل أبنائها في مدارس تونسية لعدم القدرة على دفع رسوم المدارس الليبية الخاصة.

 

ويبقى أغلب الليبيين في تونس معتمدين بصفة كبيرة على مدخراتهم والإعانات المتأتية من عائلاتهم في ليبيا وخارج ليبيا. كما تقلص دور السفارة الليبية في تونس في السنة الأخيرة حسب سهام فلم يعد يقدم الخدمات المطلوبة للمقيمين في تونس كما كان الشأن بعيد الثورة الليبية وهو ما يعكس الأزمة التي تمر بها السفارات الليبية في الخارج في ظل الانقسام السياسي في ليبيا.

http://ewanlibya.ly

ليبيون أمام القنصلية العامة الليببية بتونس العاصمة

 

Advertisements
Categories: Libya, Tunisia | Leave a comment

Post navigation

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Powered by WordPress.com.

%d bloggers like this: