عندما يذهب الشامي إلى افريقيا : Le Levant va en Afrique

تونس 17 جوان 2016: حوالي التاسعة و النصف صباحا

جلست في الصالة رقم 50 في مطار تونس قرطاج الدولي أنتظر رحلتي إلى بيروت و بجانبي فتاتان افريقيتان تنتظران أيضا  مثلي ربما رحلتهما الأولى إلى بلد الأرز. تصفحت الانترنت فقط لأضيع الوقت و بين الفينة و الأخرى أسترق النظر إلى وجوه المسافرين. أنا أعشق النظر إلى وجوه الناس من مختلف الأجناس و الأعراق . لكن هذه المرة تمعنت في الوجوه و كذلك جوازات سفر المسافرين: كانت جلها من بلدان افريقية فرنكوفونية. ركزت نظري على عائلتين ذات ملامح عربية : واحدة متكونة من سيدتين محجبتين و فتى، وتجلس غير بعيد عنهم فتاة افريقية طويلة القامة و ملامحها تدل على الأرجح أنها من السينغال وزادتها هيبة ضفائرها الافريقية و هي تمشي بأنفة غير معهودة  من خادمة مرافقة للعائلة اللبنانية. العائلة الأخرى غير تقليدية متكونة من رجل عربي الملامح في الستين أو السبعين من العمر مع ابنه الثلاثيني او الاربعيني وترافقه فتاة افريقية بشعرها الاصطناعي المنسوج (weave-tissage)

و سمرتها التي تتراوح بين الداكنة و الفاتحة بعض الشيء وكانا الاثنان يتبادلان أطراف الحديث  في انسجام نادر توحي بأنهما متزوجين حديثين. واصلت التمعن في مسافرين آخرين حتى وقع نظري على فتاة فليبينة كانت تجوب الصالة بطفل صغير في عربة أطفال تدفعها، بينما كانت الأم اللبنانية منهمكة بطفلين آخرين أكبر منه سنا.

فجأة أعلنت المضيفة التونسية عن موعد فتح باب صعود الطائرة فهرع الجميع أطفالا ,، شبابا و شيوخا للصعود و تتالت أغلب جوارات السفر بين السنيغال و بوركينافاسو و لبنان و كان بعض المسافرين مزدوجي الجنسية : لبناني و جنسية بلد افريقي. كان الأمر مدهشا، غريبا ، غير مألوف رؤية جنسيتين عادة متناقضتين متنافرتين من قارتين مختلفتين لا يجمع تاريخهما شيء إلا في تفاصيل الهجرة الشامية إلى بلدان افريقيا الغربية أو ما يسمى أحيانا بالشتات اللبناني في بلدان افريقيا الغربية

(la diaspora libanaise en Afrique de l’ouest)

كان الحديث بين المسافرين يدور باللغات العربية و الفرنسية و الانجليزية ، وحال وصولي لمطار رفيق الحريري ببيروت وجدت أن  كل اليافطات باللغات الثلاث شيء غير معتاد لم أره في ألبلدان التي زرتها في العالم

“Bonjour Madame”, “Sorry”, “انتي تتكلمي عربي؟”: lost in translation

كيف لشعب أن يراوح أو بالأحرى يتأرجح بين 3 لغات بلباقة قل نظيرها في أي بلد في العالم؟

بدت لي بيروت  كمدينة بلفاست عاصمة ايرلندا الشمالية: كلتا المدينتين شهدتا حربا أهلية ضروسا قتل فيها عديد الآلاف من الناس، لكن لا يوجد جدار السلام في بيروت مثل   بلفاست و الذي يفصل الاحياء الكاثوليكية عن البروتستانتية. كما أنه لم يتسنى لي لأن أشاهد ، إن وجدت اللوجات الجدارية التي بنت بلفاست شهرتها العالمية منها و جلبت سياحا من جميع أنحاء العالم لرؤية المتحف المفتوح  ،والذي يقص تاريخ ايرلندا النضالي ضد الاستعمار البريطاني و التضامن الايديولوجي مع اسرائيل لدى الملكيين البروتستانت أو مع فلسطين لدى الكاثوليك  الجمهوريين

لا يمكنني الحكم لأني لم ارى سوى جزء صغير من بيروت مقتصرة على منطقة الحمراء و ما جاورها

غادرت باريس الشرق الأوسط بعد يومين و نصف رحلة عمل إلى تونس و في مطار بيروت لمحت رجلا في اواخر الاربعين من عمره بدت على وجهه  الحيرة و شيء من الاحباط عندما كان يسجل أمتعته في رحلة الخطوط التونسية و كنت وراءه أنتظر تسجيل حقيبتي.

سألني باللغة الفرنسية إذا تكرمت و ساعدته على تسجيل وسادتين كبيرتين معي ،خاصة و أني سجلت حقيبة ظهر خفيفة و لم أكن أعلم أن لدي الحق في تسجيل حقيبة أخرى  مع الخطوط التونسية. طلب مني بلطف أن أساعده و إلا فإنه سيضطر لدفع مبلغ 105 دولار أمريكي لتمرير متاعه في التسجيل على الرحلة . قبلت طلبه و بدت ملامح الفرح و الامتنان على وجه الرجل سألته بالفرنسية : “من أي بلد أنت”؟

“أنا أصلي لبناني لكنني من مالي”

في الطائرة جلس بجانبي شاب شوري اسمه باسل و كانت ملامح التعب تبدو على وجهه: “غادرت اللاذقية منذ الساعة 2 صباحا لبيروت و سأتجه

“بعد تونس إلى داكار  أين سألتقي بسوريين هناك

وصلنا إلى مطار تونس قرطاج مع الساعة الرابعة مساء بالتوقيت المحلي و التقيت ب”آلان” المالي ،هذا هو اسمه،  في صالة الامتعة

آلان اشتغل منشطا موسيقيا في راديو في ابيدجان اكبر مدن ساحل العاج و لكن بسبب الاضطرابات الامنية في البلد في 2011 اضطر لمغادرة البلاد و ذهب لقطر أين اشتغل لبضع سنوات قبل أن يضطر لأن يغادر الخليح  مؤخرا

آلان: “لم استطع التأقلم مع العقلية العربية بصفة عامة

“آلان :”لم لا تعود و تسكن في لبنان؟

آلان: “لا استطيع لاني تعودت على العيش في مالي و ساحل العاج, زد على ذلك المستوى المعيشي غالي و الرواتب متدنية و صراحة لن أتأقلم مع العقلية اللبنانية . أنا ولدت ببماكو و عندما كنت صغيرا كنت اتكلم البامبارا و لكن نسيتها عندما كبرت ، درست علوم تسويق في جامعة مونريال في 1986 و رجعت و تزوجت لبنانية و رزقت باربعة أطفال و لكن الزواج لم يدم طويلا فتزوجت ثانية و ان شاء الله ارزق بطفل آخر و حاليا سأعود إلى أبيدجان للعمل. الناس يعرفونني هناك”

كان آلان متخوفا أن يضايقه أعوان الجمارك في مطار تونس قرطاج

“سألوني عن وجهتي و لماذا جئت لتونس بسبب جواز سفري اللبناني ربما لكن الحمد لله كمواطن مالي لا أحتاج إلى تأشيرة لتونس ”

“قلت له :” أنت محظوظ أنك عوملت أحسن من أبناء بلدك الماليين السود في تونس

آلان : ” صحيح للاسف شيء محزن

غادرنا المطار و وجد آلان أصدقاءه التونسيين في انتظاره للبقاء معهم أربع أيام (كان فرحا بأنه سيكتشف تونس لاول مرة) قبل الرجوع إلى الوطن الاخر في افريقيا

IMG_3356

صورة التقطتها حال وصولي إلى مطار رفيق الحريري ببيروت 

 

 

 

 

 

Advertisements
Categories: Uncategorized | Leave a comment

Post navigation

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Powered by WordPress.com.

%d bloggers like this: